هل سيصمد اتفاق التهدئة ويستمر رغم التجارب السابقة مع الاحتلال الإسرائيلي الذي كان يبادر دائماً إلى خرق أي اتفاق حول التهدئة؟
نعم
كلا
لا أعرف


قضاء الأحداث في لبنان بين القانون والتطبيق،، بقلم القاضي الدكتور غسان رباح
أرسلت في الأحد 18 نوفمبر 2007

قضاء الأحداث في لبنان*
بين القانون والتطبيق

القاضي الدكتور غسان رباح
مستشار محكمة التمييز الجزائية في لبنان
نائب الرئيس السابق للجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل في جنيف

 تعد مشكلة انحراف الأحداث من أهم وأعقد المشكلات الاجتماعية التي تواجه جميع الأقطار في العالم المعاصر، المتقدمة منها والمتخلفة على حد سواء. إذ تعرّض كيانها ومستقبل أجيالها الصاعدة لخطر كبير. والواقع أن ظاهرة انحراف الأحداث تتصف بخطورة مزدوجة على كيان المجتمع ضمن جهة يصبح الأحداث طاقات معطلة لا تفيد المجتمع بشيء بل تسبب له ضرراً مؤكداً.



    ومن جهة أخرى يصبحون طاقات مشلولة جراء ما ينتج عن ارتكابهم مختلف أنواع الجرائم التي تقع على الأشخاص والأموال من آثار وخيمة عليهم وعلى محيطهم في آن واحد.

    ولعل تصدينا اليوم لهذا الموضوع بالذات من خلال نموذج المجتمع اللبناني يجد ما يبرره بعد عقد ونصف من الضياع الفكري والتشتت النفسي عانى منهما المراهق في لبنان أشد المعاناة مع ما رافق كل هذه السنوات من فلتان أمني وشرود وانحراف أخلاقي ساعدت الفئات المستفيدة في تعميقه وزيادة شرحه، حتى أضحى هؤلاء الأولاد أو الفتيان فريسة سهلة لهم، لما يقدمونه إلى أنفسهم الطرية من مغريات فكانوا يقدمون على أفعال إجرامية غير عالمين بنتائجها المدمرة ليس فقط على ضحيتهم وإنما كذلك على مستقبلهم بالذات.

    وبالمقابل واجه الحدث المنحرف معاناة ما بعد القبض عليه ولا سيما في أحوال التحقيقات الأولية (مع الشرطة) والاستنطاقية (مع قاضي التحقيق) وفي أثناء المحاكمات وخاصة في مرحلتي التوقيف ثم أمكنة إنفاذ التدابير والعقوبات الصادرة بحقه.

    سوف نقتصر البحث هنا على مرحلتي أمكنة التوقيف وإنفاذ الأحكام ورؤية مستقبلية.

    تجدر الملاحظة بداية إلى أن الجهة التي تشرف على هاتين المرحلتين هي جهة أهلية تدعى جمعية حماية الأحداث في لبنان، ومنذ نشأتها عام 1936م، تسعى للقيام بحاجة مجمعية رسمية مستديمة ومستمرة نابعة من واقع ديموغرافي لهذا البلد الذي يشكل أحداثه وشبابه أكثرية عدد سكانه، وهم في الوقت نفسه الشريحة الأكثر عرضة للانحراف عن مسار السلوك المقبول تبعاً لأسباب متعددة المصادر غالبيتها ذات طابع عائلي اجتماعي أو اقتصادي.

    لقد اعتبرت الجمعية، ومن بين الجمعيات القليلة التي تأسست في حقبة ثلاثينيات هذا القرن، من المؤسسات ذات المنفعة العامة (بموجب المرسوم رقم 29/أ-ب/ تاريخ 17/10/1939م) وبقيت تسعى مع كل الصعوبات التي واجهتها إلى أن صدر قانون قضاء الأحداث المنحرفين وأصول محاكمتهم رقم 119 تاريخ 16/9/1983 المعدل لينص في المادة 51 منه:

    "تعتمد جمعية حماية الأحداث في لبنان، المعتبرة ذات منفعة عامة للقيام بالتحقيق الاجتماعي والمراقبة الاجتماعية وجميع الأعمال التي تكلفها بها محاكم الأحداث في الجمهورية اللبنانية".

وتتناول أعمال الجمعية، تطبيقاً لهذه المادة:

1-التحقيقات الاجتماعية عن الحدث المحال أمام القضاء.

2-تعهد الأحداث في معهد إصلاح الأحداث بإشراف الجمعية تنفيذاً للأحكام القضائية الصادرة بحقهم حيث يجري تأهيلهم والإشراف والمتابعة لشؤونهم الصحية والأخلاقية والنفسية والمهنية كافة.

3-الاحتفاظ بالموقوفين من الأحداث في مكان خاص بهم سمي بدار الملاحظة.

4-تأسيس معهد التأديب المذكور أعلاه، وبدونه لا يمكن تأهيل الأحداث على مستوى أعمارهم وفئات أنواع الانحراف المرتكبة منهم.

5-إنشاء أمكنة توقيف وتأهيل للفتيات المنحرفات.

6-متابعة أوضاع الأحداث المخلى سبيلهم بعد تنفيذ التدابير والعقوبات المتخذة بحقهم.

إن معهد الإصلاح في شكله ومضمونه بعيد كل البعد عن أمكنة السجون التقليدية العائدة للكبار ممن تجاوزوا سن الثامنة عشرة من عمرهم، إنه شبه مدرسة داخلية، بواسطته تطال تنشئة الحدث بكل أبعاده الجسيمة والنفسية ومؤهلاته العلمية والمهنية وتمتد هذه التنشئة مسافة زمنية لا تقل عن ستة أشهر وقد تصل إلى ثلاث سنوات، نظام يومي دقيق يحترم في المطلق، نظافة وترتيب، تعليم وتربية، تأهيل نفسي واجتماعي.

ويؤمن المعهد وصولاً إلى هذه الغايات ما سمي بالرعاية الشاملة:

-العطف والحنان (بوجود مساعدات أخصائيات اجتماعيات).

-العلاج النفسي عبر أخصائيين.

-العلاج الاجتماعي عبر خبراء.

-المأكل والتغذية والمنامة واللباس اللائق.

-محو الأمية والتعليم المدرسي.

-التعليم المهني.

-إقامة نشاطات داخل المعهد، ترفيهية ورياضية ودورات على أنظمة الإسعافات الأولية والدفاع المدني وإطفاء الحرائق بالإضافة إلى نشاطات خارجية عن طريق مشاركة بعض الجمعيات الأهلية أو الأندية المحلية في مخيماتها ولا سيما أثناء فصل الصيف.

إن هذه الغايات، ورغم الإمكانيات المادية المتواضعة التي تملكها الجمعية، تعتبر ترجمة صحيحة لما نصت عليه المادتين 37 و 40 من اتفاقية حقوق الطفل التي أقرتها الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 20/11/1989 ودخلت حيز التنفيذ في 2/9/1990، وقد أبرمتها لبنان في 14/5/1991 ودخلت حيز التنفيذ في 13/6/1991م لتصبح جزءاً لا يتجزأ من تشريعه الداخلي.

    إن الجمعية وبرعاية مباشرة من وزير العدل ستسعى ومنذ مدة، والأمل ألا يطول الوقت، ليصبح لديها مجمعاً مركزياً لرعاية الأحداث المنحرفين يضم أمكنة لائقة لتوقيفهم وتنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم بمختلف مرافق الحياة التي سبق الحديث عنها لتكون بديلاً فعالاً لأمكنة التوقيف العادية أو السجون مع ما يتضمنه ذلك من تجنب ملّح ومطلوب لسلبيات هذه الأماكن الأخيرة وما أكثرها.

    هذه هي الخطوط العريضة لبديل سجن الأحداث ولعل المناقشة فيها بديل للإطالة في الشرح، فالحوار دائماً ثماره المنفعة لحاضر الموضوع ومستقبله في آن معاً.

    هذا على الصعيد العملي والتطبيقي، أما لناحية تطوير قانون الأحداث الجديد والذي صدر في العام 2002 فهو يعد من القوانين المسايرة لفلسفة العقاب لدى قضاء الأحداث الحديث دولياً ويتضمن عدة أمور هامة سواء على صعيد حماية الحدث من الانحراف أو لناحية معاقبة الحدث مرتكب الجرم والتدابير بحقه، كما وقضاء الأحداث المختص ولكن مع نقص ومخالفة للاتفاقية الدولية لجهة محاكمة الحدث مع الكبار. إننا نعتقد – وكطموح مستقبلي  – أنه آن الأوان نحو تحقيق قضاء أحداث مستقل تماماً عن قصور العدل، حيث يقام له بناء متكامل خاص به بدءاً من شرطة الأحداث والمساعدات الاجتماعية، مروراً بالنيابة العامة والتحقيق والقضاة أصحاب الاختصاص، وصولاً إلى معاهد الإصلاح وبرامج التأهيل إلى الرقابة بعد الإفراج وتسهيل الاندماج في المجتمع السليم.

 


*
ورقة بحثية مقدمة في إطار الندوة التقييمية لبرامج عدالة الأحداث في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والتي عقدت بالتعاون ما بين:

المنظمة الدولية للإصلاح الجنائي
PENAL REFORM NTERNATIONAL       

ومركز عمان لدراسات حقوق الإنسان
Amman Center For Human Rights Studies   

وذلك في العاصمة الأردنية عمان، في الفترة من:7-8/11/2007م


 
المواضيع المرتبطة

المقالات

التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

 

جميع الحقوق محفوظة لبوابة فلسطين القانونية © 2007
Developed & Managed by: Saleh Abu Shaheen  |   لتصفح أفضل للبوابة تحتاج للبرامج التالية