هل سيصمد اتفاق التهدئة ويستمر رغم التجارب السابقة مع الاحتلال الإسرائيلي الذي كان يبادر دائماً إلى خرق أي اتفاق حول التهدئة؟
نعم
كلا
لا أعرف


الخطأ والصواب في الخطاب السياسي ،، بقلم: نبيل الرملاوي
أرسلت في الجمعة 05 أكتوبر 2007

الخطأ والصواب في الخطاب السياسي

بمناسبة نشر هذا المقال الذي بتعرض لبعض الأخطاء في الخطاب السياسي ، يستحسن أن يعود القاريء الكريم   الى مقال ( أهمية توحيد الخطاب السياسي )  الذي تم نشره في عدد سابق نظرا لترابط المقالين ومعالجتهما لموضوع واحد وان اختلفت جوانب البحث،  فكل من المقالين يكمل الآخر.

واستكمالا للفائدة وتعميمها اقتضى التنويه


يلجأ العديد من المتحدثين الى ذكر الشرعية الدولية في تصريحاتهم أو أحاديثهم ، وعندما يحاول المتحدث تحديد هذه الشرعية يجملها أحيانا بقرار معين أو بقرارات محدده صادرة عن الأمم المتحدة ، أو يشير من أجل التعريف بها الى خارطة الطريق الأمريكية أحيانا وما الى ذلك من تعريفات ناقصة أو مشوهة أحيانا أخرى ، وكثيرا ما يستند المتحدث في تعريفه للشرعية الدولية الى ما هو متناقض مع الشرعية الدولية باعتبار  أن  ذلك هو الشرعية الدولية ،  وهنا ينحدر المستوى الى درك لا يدعو الى الأحترام .  ويجد المرؤ نفسه أحيانا في حيرة عندما يستمع الى التركيز من متحدث ما على مبدأ تم الأتفاق عليه بين مجموعة من الأطراف ليكون أساسا للعمل من أجل الوصول الى هدف سياسي معين باعتبار ذلك يدخل ضمن الشرعية الدولية وهو في حقيقة الأمر مبدأ يتعارض مع الشرعية الدولية، بل يشكل عند اعتماده والأستناد اليه سابقة خطيرة من شأنها    تقويض الشرعية الدولية  ، وأكثر الأمثلة وضوحا على ذلك ما سمي بمبدأ الأرض مقابل السلام الذي تم الأتفاق عليه في مؤتمر مدريد  .


الشرعية الدولية

لكي يصح القياس بين ما يندرج في اطار الشرعية الدولية وما لا يندرج يتوجب تعريف الشرعية الدولية تعريفا واضحا ودقيقا ، وهنا يمكن القول أن الشرعية الدولية هي ارادة المجتمع الدولي المستندة الى مباديء القانون الدولي وأحكامه المتصلة بالمسألة قيد البحث.   واذا كانت ارادة المجتمع الدولي تبرز في الموقف الدولي من خلال منظمة الأمم المتحدة وقراراتها فأن مباديء  القانون الدولي وأحكامه  وقواعده تجمل بمجموعة القواعد القانونية التي تحكم العلاقات بين الدول وتنمظمها من ناحية ، وبين الدول والمنظمات الدولية من ناحية  أخرى، أي انها مجموعة القواعد القانونية التي تحدد حقوق الدول وغيرها من الكيانات  والتنظيمات  الدولية ، وتعين واجباتها والتزاماتها  وتنسق العلاقات المتبادلة بينها في أوقات السلم والحرب والحياد، وترعى الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات والشعوب . ونظرا لتداخل فاعلية القوانين فقد التحق بهذا القانون كل من القانون الدولي الأنساني ، وقانون حقوق الأنسان وهو ما يعرف بشرعة حقوق الأنسان لتصبح كلها ضمن القانون الدولي العام .


        لا تتحدد الشرعية الدولية بالأرادة الدولية أو ارادة المجتمع الدولي كما يعبر عنها بمواقف مجلس الأمن أو الجمعية العامة وما يصدر عنهما من قرارات فقط ، ولكن لكي تصبح هذه المواقف والقرارات مكتسبة صفة الشرعية الدولية ينبغي عند اتخاذها  اسنادها الى قواعد وأحكام القانون الدولي  على أن تتطابق معه ولا تتعارض مع أحكامه ،  ولذلك اتخذت القرارات  في المؤتمرات والمحافل الدولية  طبيعة ثابتة في الشكل والمضمون بحيث يتكون القرار من جزأين مكملين لبعضهما  وهما الديباجة والمنطوق وهما على درجة واحدة من الأهمية  ، تخصص الديباجة للمرجعية والسند القانوني لمنطوق القرار الذي  يتضمن الاحكام والجانب العملي ،  ويلعب التوازن في العلاقات الدولية دورا هاما في تفعيل الشرعية الدولية ، كما يؤثر الأختلال في التوازن على مصداقية الشرعية الدولية ويفقدها فاعليتها اذ تصبح الشرعية والحالة هذه رهينة لمركز القوة في العلاقات الدولية وتتأثر به خصوصا اذا ما كان مركز القوة هذا لديه من تطلعات السيطرة والهيمنة على العالم ما يكفي لتجاهل القانون الدولي واحكامه  كما هو واقع الآن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية  مع الأمم المتحدة .  وهذا يعني بوضوح تام أن كل ما يصدر عن المجتمع الدولي ولا يستند الى مباديء القانون الدولي وأحكامه أو يتعارض معها انما هو بعيد عن الشرعية الدولية ولا  يتصل بها بأي حال من الأحوال، بمعنى أخر ليس كل ما يصدر عن المجتمع الدولي من قرارات ومواقف بشكل مطلق هو على صلة بالشرعية الدولية مالم يستند الى المباديء والأحكام التي ارتضاها المجتمع الدولي لنفسه ممثلة بالصكوك  والمواثيق والعهود والأتفاقيات الدولية والني تشكل بمجملها القانون الدولي العام. اذن الشرعية الدولية كالفراشة التي لا تستطيع التحليق الا بجناحيها الأثنين ، وكذلك الشرعية الدولية التي لا يمكن اكتساب صفتها الشرعية وفاعليتها الا بتوفر شقيها الأساسيين الأرادة الدولية ، ومباديء وأحكام القانون الدولي العام، فالأرادة الدولية وحدها لا تشكل شرعية بدون القواعد والأحكام المذكورة ،  والقواعد والأحكام المذكورة وحدها أيضا تبقى بحاجة الى الأرادة الدولية لكي تصبح شرعية وفاعلة.  اذن لابد من توفر شقي الشرعية ، الأرادة والأحكام حتى تصبح  الشرعية الدولية متوفرة وفاعلة.


        نحن نسوق هذا المثل المبسط هنا  لأن الشرعية الدولية في قضية فلسطين قد تعرضت  للكثير من التشويه اما بسبب طغيان القوة الغاشمة والقادرة على انتزاع الأرادة وحدها دون الأستناد الى أحكام القانون الدولي  والتصرف يها على  أنها هي الشرعية الدولية  أو عن طريق القمع والممانعة أمام ارادة المجتمع الدولي عندما تتعارض هذه الأراده مع رغبة ومصالح القوة الطاغية والمهيمنة كما يحدث في مجلس الأمن وسطوة الولايات المتحدة الأمريكية عليه في هذه المرحلة عندما تكون مسألة فلسطين موضع بحث أمام المجلس ،  وهذا تشويه للشرعية الدولية ، واما بسبب الضعف أمام القوة الغاشمة والتسليم برغباتها ،  أو بسبب الجهل واهمال الجانب القانوني والتمسك بجزئية معينة باعتبارها هي الشرعية الدولية ، وهذا أيضا منهج  خاطيء لا يقود الى  تطبيق  العدالة وتعزيز  الحقوق  التي تتوخاها الشرعية الدولية .


الشرعية الفلسطينية

         تتكون الشرعية الفلسطينية من الأرادة الحرة للشعب الفلسطيني متسلحة بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني ، وهي بهذا التعريف تتشابه مع الشرعية الدولية من حيث الشكل ، اذ أن الأرادة الحرة للشعب وحدها لا تشكل شرعية فلسطينية ،  والحقوق الوطنية وحدها لا ترقى الى مستوى القدرة على التعبير عن الشرعية الفلسطينية.  ولكي تتمتع  الشرعية الفلسطينية بفعاليتها ينبغي توفر الأرادة الحرة للشعب الفلسطيني متسلحة بالحقوق الوطنية الثابته للشعب ما يعني أن الأرادة الحرة وحدها بدون الحقوق تبقى ناقصة ، والحقوق الوطنية بدون الأرادة الحرة للشعب تكون عاجزة ، وفي حالة توفر الأرادة الى جانب ما يتعارض مع الحقوق الوطنية تبطل الشرعية ، واذا توفرت الحقوق الوطنية في المعادلة مع ارادة مزورة أو مشوهة تفقد الشرعية أهم عناصر مكوناتها  وبالتالي  يتم بطلانها ايضا .


العلاقة بين الشرعية الفلسطينية والشرعية الدولية

- ترتبط  الشرعية الفلسطينية مع الشرعية الدولية بعلاقة جدلية بحيث توفر الشرعية الدولية الغطاء القانوني والسياسي للشرعية الفلسطينية ، بينما تعزز الشرعية الفلسطينية أهمية ومكانة الشرعية الدولية من خلآل  كفاح الشعب الفلسطيني المستند الى الشرعية الدولية لنيل حقوقه وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره بدون تدخل خارجي . ويبدو هنا واضحا وضع الشرعيتين الفلسطينية والدولية أنهما  في موقع واحد تعزز كل منهما الأخرى  في معركة واحدة هي معركة تحرير الشعوب من السيطرة والهيمنة الأجنبية والأستعمار بحيث يصبح العدوان على الشرعية الفلسطينية سواء كان على ارادة الشعب أو على حقوقه الوطنية هو عدوان على الشرعية الدولية والعكس صحيح . كما أن  انتصار الشرعية الفلسطينية في كفاحها من أجل نيل حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية يشكل انتصارا للشرعية الدولية  ولمباديء القانون الدولي  والقانون الدولي الأنساني وشرعة حقوق الأنسان . من هنا يمكن فهم الموقف الأسرائيلي الثابت في معاداة الشرعية الدولية منذ نشوء دولة اسرائيل عام 1948 ورفض التعامل معها وازدرائها أحيانا  كما حدث عندما وقف حاييم هيرتزوك ممثل اسرائيل لدى الأمم المتحدة عام 1975 ومزق قرار الجمعية العامة  الذي  دانت فيه  الصهيونية باعتبارها شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري قائلا ( ان هذا القرار سيكون مصيره في اسرائيل سلة المهملات ) ثم ألقى به أرضا وداس عليه بقدمه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة  ، والأعتداء على رموز الأمم المتحدة   أحيانا أخرى كما حدث عندما اعتدت عصابات الهاغانا على حياة الكونت برنادوت مبعوث الأمم المتحدة الخاص بقضية فلسطين وقتلته عام 1948 في فلسطين ، ومحاولة الأعتداء على السيدة ماري روبنسون المفوضة السامية لحقوق الأنسان عام 2002 في الضفة الغربية


اسرائيل والشرعية الفلسطينية

- الشرعية الفلسطينية تعني بالنسبة لأسرائيل الأرض والشعب معا ، فهي أنشأت لتكون بديل لذلك ، وهذا يعني  أن البديل لن يتحقق الا بزوال الطبيعة الفلسطينية للأرض لتصبح أرض اسرائيل ، وزوال الشعب ليحل مكانه اليهود من كل مكان من العالم ، ولكن المشكلة لدى اسرائيل هي كيف يتحقق ذلك؟؟

         فشلت اسرائيل في تحقيق ذلك عن طريق العدوان واكتساب الأرض بالقوة وتعزيز الوجود عن طريق الأحتلأل والتفوق العسكري بما في ذلك التسلح النووي والدعم الأمريكي اللأمحدود في جميع المجالات السياسية والعسكرية والأقتصادية والدلوماسية .  ومع كل ذلك وبعد أكثر من خمسين سنة بقيت الأرض الفلسطينية أرضا محتلة ومغتصبة وفقا للقانون الدولي ، وبقي الشعب الفلسطيني عليها وفي الشتات ثابت على الخارطة السياسية الدولية متمسكا بأرضه وحقوقه  مطالبا باستعادة هذه الحقوق كأي شعب آخر في هذا العالم معبرا عن  ذلك بأسساليب مختلفة ، سياسية أحيانا وعسكرية أحيانا أخرى مما أجبر العالم على التعامل مع هذه الحقيقة من خلآل الشرعية الفلسطينية التي بلورها الشعب الفلسطيني في منظمة التحرير الفلسطينية ، وأكدتها وعززتها الشرعية الدولية بمواقف واضحة للمجتمع الدولي من خلال أكثر من مائة وخمسين قرار بهذا الشأن  أعادت  التأكيد فيها على بطلان الأحتلال الأسرائيلي للأرض الفلسطينية وبطلان كل ما ترتب عليه من استيطان أو تغيير معالم الأرض الفلسطينية جغرافيا وديمغرافيا ومؤسساتيا ، كما أكدت تلك القرارات على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بدون تدخل خارجي كشرط للسلام والأمن في المنطقة .


        اذن كان تمسك الشعب الفلسطيني في مرحلة الستينيات والسبعينيات بحقوقه الوطنية هو العامل الحاسم في حمل اسرائيل على التفكير في أساليب أخرى غير تلك المتعلقة بالقهر والتصفية والتهويد والقوة وان أبقت على كل ذلك حتى الآن ، فكان  منهجا جديدا في التعامل مع الواقع قد تم اعتماده لتحقيق الأهداف الأسرائيلية وهو محاولة تسخير الشرعية الفلسطينية لذلك .


        فإسرائيل القائمة على فكرة البديل لا تقبل التعايش مع الآخر لأن ذلك ينهي فكرة البديل ، ولذلك رفضت اسرائيل التعامل مع الأعتراف الفلسطيني بها وبحقها في الوجود داخل حدود عام 1967 الذي اعتمده المجلس الوطني الفلسطيني عام  1988 وذلك لسبب بسيط  وهوأن ذلك لا يدخل ضمن اهدافها ، بل هي تعتبر ان تعاملها مع ذلك الأعتراف يقوض فكرة البديل لأنه يعزز واقع التعايش مع الآخر وهو نقيض    لفكرة البديل تماما .  فأسرائيل كبديل لفلسطين يعني أن الشرعية الأسرائيلية هي البديل للشرعية الفلسطينية ، وبالتالي هي لا تتعامل مع الشرعية الفلسطينية بل لا تتورع عن تدميرها اذا استطاعت ، ولكنها في نفس الوقت هي في أشد الحاجة لها في المرحلة الراهنة وتسخيرها لأكتساب شرعيتها منها ما دامت الشرعية الدولية تتعارض مع طموحاتها وأهدافها ، لذلك هي تلجأ للتعامل الحذر مع الشرعية الفلسطينية في المرحلة الراهنة الى أن تقتنص منها ما تشاء قبل أن تقذف بها الى  المجهول وذلك لعلم اسرائيل وادراكها التام بوهن شرعيتها في فلسطين ، وأن الشرعية الفلسطينية هي الشرعية الوحيدة القادرة على منح اسرائيل الشرعية في الوجود والبقاء والحق في الأرض وبالتالي القدرة على مواجهة الشرعية الدولية عند النجاح في تثبيت الشرعية الأسرائيلية بديلا  للشرعية الفلسطينية استنادا الى انفراد الشرعية الأسرائيلية وانتفاء الشرعية الفلسطينية بأرادة وموافقة فلسطينية ، واذا ما تحقق ذلك تكون اسرائيل قد انجزت هدفا مرحليا شديد الخطورة في استعمال الشرعية الفلسطينية وتسخيرها لتحقيق أهدافها . من هنا يمكن فهم أسباب رفض اسرائيل الدائم ومماطلتها بشأن الدخول مع الجانب الفلسطيني في بحث المسائل المتعلقة بالوضع النهائي  في هذه انتظارا لمرحلة تكون فيها اسرائيل قد تمكنت من الأستحواذ الكامل على الجانب الفلسطيني يحيث يؤدي دوره في اللعبة الأسرائيلية المذكورة .   


 مبدأ الأرض مقابل السلام

           يتأسس مبدأ الأرض مقابل السلام على قاعدة المقايضة بين طرفين ، طرف يملك الأرض وطرف يملك السلام ،  وواضح انه في الحالة الفلسطينية  أن الطرف الفلسطيني يملك السلام والطرف الأسرائيلي بملك الأرض، وهذا ما كان في أذهان أولئك الناس الذين أعلنوا هذا المبدأ في مدريدعام 1992 .


        ان قاعدة المقايضة هذه في حقيقتها قاعدة باطلة لسبب بسيط ذلك لأنها تكرس من ناحية ملكية اسرائيل للأرض الفلسطينية وهي ليست كذلك ، فالأرض المعنية هي أرض احتلتها اسرائيل عن طريق الحرب ولا يتأسس أي حق لأسرائيل فيها ، أي أن اسرائيل لا تملك الأرض المعنية بالمقايضة حتى تقايضها مع أي شيء آخر.  ومن ناحية أخرى وبعيدا عن موضوع المقايضة فأن التعامل مع المبدأ المذكور يعني ضمنا اقرار وتسليم الطرف الفلسطيني بملكية اسرائيل لهذه الأرض ما دام الطرف الفلسطيني قد قبل مقايضتها بالسلام مع اسرائيل، اذ أن عملية المقايضة تعني ان يقدم الجانب الفلسطيني السلام لأسرائيل ولا يلجأ لأي من الأعمال العسكرية التي تدخل في نطاق مقاومة الأحتلال أو تحرير  الأرض وتقدم اسرائيل مقابل ذلك الأرض الى الجانب الفلسطيني  ، والذي حدث منذ مؤتمر مدريد أي منذ أن تم الأتفاق على مبدأ الأرض مقابل السلام كمرجعية لمؤتمر مدريد أن بدأ الجانب الفلسطيني تدريجيا بوقف الأعمال العسكرية ومن ثم اعتمد شعار المقاومة بالأساليب الأخرى الجماهيرية ورفع شعار عدم عسكرة الأنتفاضة ،  الا ان اسرائيل لم تقابل ذلك الا بمزيد من قضم الأرض وتوسيع المستعمرات الأسرائيلية وبناء الجديد منها واحاطة مدينة القدس بحزام من المدن الأسرائيلية العملاقة وعزلها عن محيطها الفلسطيني وأخيرا بناء الجدار الأسرائيلي داخل الأرض الفلسطينية المحتلة استيلاء على المزيد من الأرض وضمها غير المعلن لأسرائيل .


        ان مسألة المقايضة المذكورة بالغة الخطورة من الناحية الفلسطينية اذ أنها لا تتوقف عند المس بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني بل تمتد خطورتها الى تغيير طبيعة الصراع بين الشعب الفلسطيني والأحتلال العسكري الأسرائيلي بما يحقق اهداف اسرائيل في هذا الشأن وجعل الصراع نزاعا حول أراضل  لاحقوق لأحد فيها بحيث تصبح المفاوضات التي تملك فيها اسرائيل كل أوراق القوة هي الطريق الوحيد لحل هذا النزاع  بعيدا عن الشرعية الدولية  واحكام القانون الدولي  التي أكدت مرات ومرات بأن الوضع في فلسطين المحتلة هو مسألة احتلال وقع عن طريق القوة العسكرية ويجب أن يزول بدون قيد أوشرط  لكي يتمكن الشعب الفلسطيني الذي خضع لهذا الأحتلال من ممارسة حقه المطلق في تقرير مصيره بدون تدخل خارجي. وكما أن مسألة المقايضة على هذه الدرجة من الخطورة فلسطينيا ،  فأنها بالغة الخطورة ايضا على المستوى الدولي والعالمي من حيث تقويضها  للقانون الدولي وانتهاك المبدأ الأساسي فيه وهو عدم جواز اكتساب ارض الغير بالقوة اذ  أن قبول الطرف الفلسطيني بمقايضة الأرض بالسلام مع اسرائيل هو اقرار فلسطيني بملكية اسرائيل للارض واعطائها الحق في أن تقايضها  أو لا تقايض ،  وفي حالة عدم المقايضة كما هو واقع الآن تبقى الأرض التي احتلتها اسرائيل عن طريق الحرب عام 1967 وكأنها ملك لأسرائيل باعتراف واقرار فلسطيني من خلآل القبول بمبدأ المقايضة .


        كما ذكرنا أعلاه فان من الأخطار الجسيمة في تطبيق هذا المبدأ ما يمتد الى تقويض الشرعية الدولية في مسألة الأحتلال الأجنبي  وارساء سابقة خطيرة  ذات تداعيات  مدمرة بشأ ن نضال الشعوب المكافحة التي تناضل من أجل  حريتها  واستقلالها وحقها في تقرير مصيرها ضد قوى الأستعمار والهيمنة الأجنبية والأحتلال العسكري في أي مكان من العالم .  فبعد أن كانت الثورة الفلسطينينية نبراسا لحركات التحرير في العالم ومصدرا لدعم تلك الحركات ورائدة لها في كفاحها من أجل حريتها واستقلالها وحقها في تقرير مصيرها ، تساهم اليوم في قبولها مبدأ الأرض مقابل السلام بأرساء قاعدة جديدة تتعارض مع تلك الشرعية التي تسلحت بها الشعوب المكافحة في نضالها وهو ما سوف تستعمله قوى الأستعمار والهيمنة والأحتلال والعدوان ضد الشعوب الأخرى بديلا للشرعية الدولية في مقارعتها للشعوب المذكورة  وهو ما يساهم في نفس الوقت في تقويض الشرعية الدولية  .


مبدأ الأرض مقابل السلام بتعارض مع الشرعية الدولية

         لو لم يكن هناك احتلال  اسرائيلي للأرض الفلسطينية ، ولو لم يكن هناك مقاومة فلسطينية ضد الأحتلال الأسرائيلي لما ابتدعت العبقرية الأمريكية  ما سمي بمبدأ الأرض مقابل السلام ليستعاض به عن الشرعية الدولية التي تعاملت مع حالات الاحتلال والغزو منذ القرون الماضية .  فما هو موقع الاحتلال العسكري الأسرائيلي للأرض الفلسطينية من القانون الدولي  ؟  فالأحتلال العسكري أو الغزو هو استيلاء دولة على أراضي دولة أخرى جزئيا أو كليا عن طريق استخدام القوة.  وكان الغزو او الأحتلال مشروعا في القرون الغابرةاستنادا الى القانون الروماني الذي يعتبر الفتح أو الغزو أو الأحتلال من أضمن وسائل التملك، واستخدمته الدول الأستعمارية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وأوائل القرن العشرين لأخضاع بعض البلادالآسيوية والأفريقية  لسيطرتها عن طريق الضم أو الأستعمار أو فرض الحماية ، أو الوصايةأو الأنتداب ، غير أن فلاسيفة القرن الثامن عشر أمثال مونتيسكيو وروسو استنكروه مما حمل الجمعية الوطنية الفرنسية انذاك على اعلان بيان عبر بوضوح عن أن الأمة الفرنسية تمتنع عن القيام بأي حرب بقصد الفتح أو الغزو والأحتلال ولن تستعمل قواها ضد حرية أي شعب من الشعوب ،  وقد أدمج هذا النص في الدستور الفرنسي الصادر عام 1791 .. وقد تبنى فيما بعد هذا المبدأ مؤتمر الأتحاد الأمريكي المعقود في واشنطن  عام 1889 اذ نصت المادة الثامنة من مقرراته على ما يلي ( تعتبر أعمال الفتح أو الغزو أو الأحتلال حرقا للقانون الدولي الأمريكي سواء كانت من أهداف  الحرب أم من نتائجها ) .  وقد تبنت عصبة الأمم هذا المبدأ حيث رفضت عام 1934 الأعتراف باحتلآل ايطاليا للحبشة .


        وقد جاء ميثاق الأطلسي الموقع بتاريخ 14 آب/ أغسطس 1941 من قبل الرئيسين روزفلت وتشرشل ليتضمن ما يلي ؛ ( ان الولايات المتحدة وانجلترا لا ترغبان في أن يتم أي تعديل اقليمي  لا يتفق مع الرغبة التي تبديها الشعوب المعنية بملء ارادتها ) .


          ونصت المادة الثانية ( فقرة 4 ) من ميثاق الأمم المتحدة على  ما يلي ( يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الأستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة ) .


        ونص ميثاق بوغوتا المعقود بتاريخ 30 نيسان / ابريل 1948على ( أن النصر لا ينشيء حقوقا ) وأنه ( لا يجوز الأعتراف بفتح الأقاليم وبالأمتيازات  الخاصة التي يحصل عليها بالقوة أو بأحدى طرق العنف ) ( المادة 17  ) .


        وجاءت المادة الأولى  من ديباجة قرار مجلس الأمن الشهير رقم 242 ( نوفمبر 1967 ) الخاص بمسألة الشرق الأوسط لتؤكد( عدم جواز الأستيلاء على الأرض بالفوة ) .


        وفي هذا السياق أكد ميثاق الأمم المتحدة في العديد من مواده ،  وكذلك العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الأنسان ، والقرار الخاص بأعلان مباديء القانون الدولي ،  ثم اعلان منح الأستقلأل للشعوب المتعمرة والتي ما زالت تكافح من أجل حريتها واستقلألها وحقها في تقرير مصيرها ، وجميع قرارات الأمم المتحدة وأجهزتها المتحصصة وبشكل خاص لجنة الأمم المتحدة لحقوق الأنسان والمؤتمرات الدولية ذات الصلة والتي تشكل بمجملها حيزا هاما من الشرعية الدولية التي تؤكد أن الأحتلال العسكري لا يؤسس حقوقا للدولة القائمة بالأحتلال في الأرض التي احتلتها عن طريق الحرب أو عن طريق القوة العسكرية فضلا عن كون الأحتلال العسكري لأراض الغير بالقوة يشكل عدوانا وفقا لمباديء القانون الدولي وجريمة مخلة بسلم الأنسانية وأمنها بمقتضى التعريف القانوني للعدوان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة .


اذن مبدأ الأرض مقابل السلام يمكن أن يكون أساس للتفاوض بين طرفي نزاع يتصارعان على أراض لا حق لأحد منهما فيها، وهنا تشكل المفاوضات وسيلة مجدية لحل النزاع بينهما  حلا سلميا ،  ولكن هذه الوسيلة لا تنطبق على الحالة في فلسطين ، ولا تستقيم مع حالة الاحتلال العسكري الأسرائيلي الذي كان يهدف من الأساس الى اكتساب الأرض الفلسطينية بالقوة خططت لها الصهيونية الأوروبية منذ أواخر القرن التاسع عشر.  فالمسألة هنا ليست مسألة نزاع على أراض لا مالك لها ، وانما هي أراض تعرضت مع شعبها للغزو العسكري ثم احتلال عسكري اسرائيلي ، ثم استيلاء تدريجي على المزيد من الأرض ، و اقامة المدن والمستعمرات الأسرائيلية عليها بما يشكل جرائم حرب بمقتضى أحكام القانون الدولي الأنساني وبشكل محدد أحكام المادة 49  من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والمادة 85 من البروتوكول الأول الملحق بها لعام 1977  ،  وهي جرائم لا تسقط بالتقادم  ويعاقب مرتكبوها وفقا لأحكام القانون الدولي العام والقانون الدولي الأنساني  .  وجاءت في هذا الشأن قرارات الجمعية  العامة للأمم المتحدة وقرارات لجنة الأمم المتحدة لحقوق الأنسان وبعد  ذلك مجلس الأمم المتحدة لحقوق الأنسان لتدين الأحتلال الأسرائيليلي للأراضي الفلسطينية كما تدين أعمال قوات الأحتلال التي تنتهك مباديء القانون الدولي والقانون الدولي الأنساني وحقوق الأنسان ، وبشكل خاص مصادرة الأراضي وأقامة المستعمرات عليها ، وتغيير معالم مدينة القدس الجغرافية والديمغرافية والمؤسسية بهدف تهويدها والتوقف عن ذلك باعتباره أعمالا باطلة ، وتطالب اسرائيل بسحب قواتها العسكرية من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها بالقوة العسكرية عام 1967 ليتمكن الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره كأجراء أولي للوصول  الى سلام عادل ودائم في منطقة الشرق الأوسط .


        اذن نحن الآن أمام معادلة   ذات وجهين اثنين ، الوجه الأول هو ما يصدر عن المجتمع الدولي بما يستند ويتطابق مع مباديء وأحكام القانون الدولي وبالتالي يتحذ صفة الشرعية الدولية ، والوجه الآخر هو ما يصدر باسم المجتمع الدولي من قرارات أو بيانات  أو مواقف لا تستند ولا تتوافق مع تلك الماديء والأحكام وفي هذه الحالة لايجوز اعتباره شرعية دولية أو حتى جزءا من الشرعية الدولية ،  أي أنه ليس كل مايصدر عن المجتمع الدولي هو جزء من الشرعية الدولية أو يمثلها أو ينتمي اليها ، ومبدأ الأرض مقابل السلام كما ذكرنا سابقا ينضوي تحت الوجه الآخر من المعادلة .


 خارطة الطريق الأمريكية

- نحن هنا لسنا في معرض تقييم خارطة الطريق التي وضعتها الإدارة الأمريكية لحل قضية الصراع الفلسطيني الأسرائيلي ، ولكن اهتمامنا الآن هو التعامل  مع المزاعم التي تحاول اضفاء صفة الشرعية الدولية على هذه الخارطة واعتبارها الشرعية الدولية أو على أقل تقدير الزعم بأنها جزء من الشرعية الدولية متذرعين بوجود ممثلين عن الأمم المتحدة في الر باعية الدولية كغطاء شرعي للجنة الرباعية  وخارطة الطريق نفسها . وهذا الأمر يدعو للتساؤل حول تمثيل الأمم المتحدة للمجتمع الدولي في هذه المرحلة التاريخية التي شهدت وما زالت تشهد تغيرا حادا في العلاقات الدولية تأسس على سطوة القوة وهيمنتها على دوائر القرار في العالم والمجتمع الدولي ممثلا في مجلس الأمن والأمم المتحدة عموما  بحيث  حولت هذه التغيرات ضمن ما حولت  دور الأمين العام ومكانته كأمين عام للأمم المتحدة من شأنه رعاية ومتابعة تطبيق مباديء الميثاق وأحكام القانون الدولي بنزاهة وحيادية وشفافية الى موظف في وزارة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية ينفذ تعليماتها ولا يخرج عن طاعتها ،  وكما قلنا في مقال سابق ، ان الأمم المتحدة لم تتغير كأهداف ومباديء وميثاق  ، ولكنها تغيرت فيما يتعلق بآليات العمل بسبب تأثرها بسطوة القوة الغاشمة على العالم وعليها ، ومن أبرز هذه التغيرات ما وقع على دور الأمين العام للأمم المتحدة .


        اذن واستنادا لما سبق ذكره فأن وجود الأمين العام أو ممثلين عنه في الرباعية الدولية لا يعني من قريب أو بعيد اضفاء صفة الشرعية الدولية على الرباعية الدولية ، وانما جيء  بالأمم المتحدة لتجلس مع الرباعية الدولية اكمالا للخداع السياسي والتضليل بهدف اعطاء الرباعية صفة الشرعية الدولية وكذلك خارطة الطريق من خلال اعتماد الأمم المتحدة لها ومشاركة ممثليها في الرباعية الدولية المشرفة على متابعة تطبيقها .


        اذن الرباعية لا تمثل المجتمع الدولي  وان ضمت اليها ممثلا عن الأمم المتحدة ، وخارطة الطريق فاقدة الشرعية لأنها لم تستند الى مباديء القانون الدولي وأحكام الميثاق بل تتعارض مع تلك المباديء والأحكام ولا سيما أن المسألة هنا تتعلق بالأحتلال العسكري الأسرائيلي للأراضي الفلسطينية من ناحية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره من ناحية أخرى ، وهاتان المسألتان محكومتان بقواعد محددة وواضحة وثابته في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومن ضمنها القواعد الآمرة في القانون الدولي .


        تجاهلت خارطة الطريق الشرعية الدولية وقواعدها ومبادئها وأحكامها ، اذ لو كانت الولايات المتحدة راغبة في تحكيم الشرعية الدولية وتطبيق العدالة في حل الصراع الفلسطيني الأسرائيلي لما لجأت الى وضع خارطة الطريق بعيدا عن الأمم المتحدة ومباديء القانون الدولي وأحكام الميثاق.  فالشرعية الدولية بما تتضمنه من مباديء وقواعد وأحكام تقود الى نتائج محدده فيما بتعلق بالأحتلال الأسرائيلي ، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ،  بينما تقود خارطة الطريق في حالة تطبيقها الى نتائج أخرى لا تتفق مع الشرعية الدولية ومباديء القانون الدولي بل تتعارض معها وتنتهك أحكامها  كما تتعارض مع مبدأ حقوق الشعوب والعدالة .

بقلم: نبيل الرملاوي 

رام الله في  19 سبتمبر 2007

 
المواضيع المرتبطة

المقالات

التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

Re: الخطأ والصواب في الخطاب السياسي ،، بقلم: نبيل الرملاوي (التقييم: 0)
بواسطة زائر للبوابة في الأحد 07 أكتوبر 2007
   اذا كان ما يصدر عن المجتمع الدولي بما يستند ويتطابق مع مباديء وأحكام القانون الدولي هوالشرعية الدولية، وما يصدر باسم المجتمع الدولي من قرارات أو بيانات أو مواقف لا يعتبر من  الشرعية الدولية أو حتى جزءا منها، فكيف اذن وافق المفاوض الفلسطيني على مبدأ الأرض مقابل السلام في اوسلو وواشنطن وواي ريفر وشرم الشيخ وخارطة الطريق؟؟؟؟ نرجو الرد عبر موقع بوابة فلسطين القانونيةمع الاحترام والتقدير للكاتب


[ الرد على هذا التعليق ]


 

جميع الحقوق محفوظة لبوابة فلسطين القانونية © 2007
Developed & Managed by: Saleh Abu Shaheen  |   لتصفح أفضل للبوابة تحتاج للبرامج التالية